Search

سيرة حياة السيد ابو عبد الله الحسين القحطاني



لا إله إلا الله الملك الحق المبين الذي علا فقهر وبطن فخبر وعصي فغفر حصن المؤمنين وملجأ الهاربين وغياث المستغيثين ومبير الظالمين ومهلك المتجبرين وناصر أولياءه يوم الدين ونحمده فوق حمد الحامدين على آلاءه المتواصلة ونعمه المترادفة الذي خلق الإنسان وجعله خليفته في أرضه فامتحنه بالطاعة والصبر والقناعة وجعل له دلائل تدل عليه وعلامات تشير إليه، ليهتدي الخلق إلى نوره وينتهلوا من عذب معينه ويتجنبوا سخطه ونقمته ويحذروا ناره وعذابه، وجعل أكبر علاماته إليه وأدلها عليه رسله وأنبياءه ليقيموا له حججه على خلقه ويدلونهم على طريق مرضاته وإرادته، فتتابعت الرسل رسول بعد رسول ونبي بعد نبي وحجة بعد حجة {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } فكلما اضمحل الدين وضعف في نفوس العالمين، جدد الله تعالى طريق الحق بإرسال رسول من عنده يقوّم به الاعوجاج السالف ويظهر الحق المندثر ليَظهر النور ويعم من جديد .

ورغم الصعوبات التي يواجهها رسل الله في إعادة الحق إلى نصابه، فالأمم تتبَع ما اعتادت عليه وإن كان غاية في البعد عن الحق قال تعالى {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ } فكلما جاء نبي أو حجة من الله لاقى ما لاقى من قومه من العذاب والصدود والتكذيب والتعذيب والجحود، فالكل رافضين للتغيير وإن كان حق يقين قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }.

وخير ما شهدته هذه الأرض من الرسالات السماوية هي رسالة سيد الأنبياء والمرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) فكان متتم للشرائع وخاتم لها، فلا نبي بعده ولا شريعة ناسخة لشريعته، فلاقى من قومه ما لم يلاقي نبي قبله حتى قال ( صلى الله عليه وآله وسلم تسليما ): ( ما أوذي نبي مثلما أوذيت ) فتحمل عبئ الرسالة وجاهد المخالفين إلى أن تمكن من نشر الدين ودخول الناس في طاعة رب العالمين فاستقامت الأمة على نهجه ولكن يأبى الله إلا أن تجري سننه في خلقه بأن تحذو هذه الأمة حذو الأمم السالفة من تغيير الشرائع وإتباع البدع والأكاذيب قال تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ } وجاء في تفسير هذه الآية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) حيث قال: (والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لا تخطئون طريقهم ولا تخطئكم سنة بني إسرائيل)( ).

فكان كما قال النبي فقد أُقصي الوصي وسلكت هذه الأمة مسلك أخواتها من الأمم السالفة من تحريف الدين وسن البدع في شريعة رب العالمين وإماتة السنن وعاش أولياء الله مقهورين مستضعفين ليس لهم سامع ولا لإرادتهم طائع فبقوا صابرين بين قتيل وأسير ومسموم وسجين والأمة مسترسلة في غيها وانحرافها عن الصراط القويم .

وشاء الله أن تكون سنته في آخر حججه أن يغيبه عن الناظرين وجعل له نوافذ يشرق من خلالها على أمة سيد المرسلين فلا بد أن تجري فيهم هذه السنة لا محالة لأن الناس مولعة بالجهالة، فالأمة بدلاً من أن تستنير بالنور الداخل إليهم من الكوة ليبصروا الطريق راحوا يضعون الحجب والموانع التي جعلوها تحول بين الناس ونور الحجة لأنهم لا يريدون أن يستمعوا لمن نصبهم الإمام سبلاً للوصول إليه وكأن لسان حالهم يقول: { لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }.

وبذلك قد شابهوا من كان قبلهم من المكذبين والرافضين لاختيار رب العالمين، فكان الاعتراض ظاهر على من اختارهم الإمام أبواباً له، لأن الناس يريدون أن يضع لهم الإمام من يناسب أهواهم الفارغة وعقولهم الخاوية، فاعترضوا على السفراء لكونهم من عوام الناس وبسطائهم فمنهم الخلال الذي يبيع الخل والسمان فكيف يقتنع الناس بأن يكون السفير من البسطاء، فلم يرضوا بما أراد الله ونسوا أن الأمر له وحده يختار من يريد قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }.

فكان الناس لا يسألون السفير بل يسألون الفقيه ، فأصبحت أبواب الإمام مهجورة فلا سؤال ولا سائل وخير شاهد على ذلك قلة التواقيع التي خرجت على طول فترة الغيبة الصغرى من الناحية المقدسة، والتي امتدت لأكثر من سبعين سنة وهي فترة طويلة فلو جمعت تلك التواقيع على طول تلك الفترة لما كانت كتيب فضلاً عن أن تكون كتاب، فكانت الأمة هي التي حكمت على إمامها بالغيبة كما هُجر الأولياء طوال الزمان وهُجر كذلك القرآن فلا تكاد تجد في أوساط الدين درساً من دروس القرآن ولا لأحكام تلاوته فضلا عن تفسيره، فحقق إبليس اللعين وعده المشئوم بقوله {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } فوسوس للناس هو وأعوانه ترك إمامهم وإقعاده عن القيام بالأمر لأنه (عليه السلام) لا يقوم حتى يجتمع له الأنصار والأعوان فكان الغياب لازماً لهذه الأمة لأنهم تركوا إمامهم فاستحقوا غضب الجبار والسقوط في النار.

قال أبو جعفر(عليه السلام): (إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحانا عن جوارهم )( ).

فعبد القوم أهوائهم ونتاج عقولهم كما عبد بنو إسرائيل العجل اللعين وأبدلوه برب العالمين، ومات الحق وظهر الباطل وكأن هذه الأمة شابهت بأفعالها أفعال أخواتها من الأمم بالبقاء على الباطل ووصلوا إلى النقطة المنحطة التي يكون بعدها ظهور الحق، ليتم الله وعده بحجته ويظهره على الدين كله ولو كره المشركون وسيكون المجدد للحق والمنقذ من هذه الجهالة في زمننا هو الإمام المهدي (عليه السلام) .

وبما إن الأمة قد ابتعدت كثيراً عن جادة الصواب والحق فيكون من الصعب قبول الإمام ودون تمهيد لذلك المقدم المبارك، فلا بد أن يبعث إلى هذه الأمة رسلاً من عنده يمهدون له الطريق ويحاولون تغيير بعض المسارات التي يصل الناس من خلالها إلى حال الاستعداد لقبول الحق، وهؤلاء الرسل المبعوثين من قبله (عليه السلام) يكونون بمراتب ومهام متباينة فيأتي الأمر بالتدريج إلى أن يصل إلى آخر ممهد والذي يكون هو الممهد الرئيسي الذي يوصل الأمة إلى حالة الاستعداد والتهيوء لقبول وتحمل أمر الله وأمر وليه وخليفته في أرضه المهدي (عليه السلام) وخير شاهد ما ورد في القرآن في ذكر هذا المعنى قال تعالى: { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ* إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} فهؤلاء الرسل المعنيين في الآية يكون انطباقهم في زماننا على رسل الإمام إلى الناس قبل مقدمه المبارك، وكذلك ما جاء في الكتاب المقدس في مَثَل الكرامين فقد شبّه عيسى (عليه السلام) الإمام المهدي (عليه السلام) بصاحب الكرم (العنب) الذي غاب عن أرضه وعنبه لوقت طويل وأوكل الأمر إلى قوم ليرعوا أرضه إلى أن يعود من سفره وعندما حان وقت الحصاد بدأ بإرسال هؤلاء الرسل الذين يكونون بمثابة الممهدين الذين يسبقونه، وبعد ذلك يكون مقدمه المبارك الذي يقطع فيه تلك الرؤوس الخائنة التي رفضت تسليم الأمانة إلى أهلها فقد جاء في الإنجيل: (وابتدأ يقول للشعب هذا المثل إنسان غرس كرماً وسلمه إلى كرامين وسافر زمانا ًطويلاً وفي الوقت أرسل إلى الكرامين عبداً لكي يعطوه من ثمر الكرم فجلده الكرامون وأرسلوه فارغاً فعاد وأرسل عبداً آخر فجلدوا ذلك أيضاً وأهانوه وأرسلوه فارغا ثم عاد فأرسل ثالثاً فجرحوا هذا أيضاً وأخرجوه، فقال صاحب الكرم ماذا افعل أرسل ابني الحبيب لعلهم إذا رأوه يهابون فلما رآه الكرامون تآمروا فيما بينهم قائلين هذا هو الوارث هلموا نقتله لكي يصير لنا الميراث فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه فماذا يفعل بهم صاحب الكرم يأتي ويهلك هؤلاء الكرامين ويعطي الكرم لآخرين فلما سمعوا قالوا حاشا فنظر إليهم وقال إذا ما هو هذا المكتوب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية كل من يسقط على ذلك الحجر يترضرض ومن سقط هو عليه يسحقه فطلب رؤساء الكهنة والكتبة ان يلقوا الأيادي عليه في تلك الساعة ولكنهم خافوا الشعب لأنهم عرفوا إنه قال هذا المثل عليهم)( ).

وكذلك فإن نبوة يحيى (عليه السلام) كانت تمهيداً لقدوم المسيح وكان يبشر به بين الناس ليهيئهم لقبوله، فجاب السهول والقفار يبشر بذلك المولود الذي يخلص العباد من عبادة العباد فقد جاء في الإنجيل: (وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ. فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً».

وَيُوحَنَّا( ) هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ. وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ.

فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: «يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ.

وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ.

وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفأُ».

حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!»

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ.

فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ)( ).

وهذه السنة جارية في زماننا فقد أرسل الإمام المهدي (عليه السلام) من يقومون بمهمة التمهيد فلاقوا ما لاقوا من جهل الناس وحسد رجال الدين .

لقد أرسل الإمام المهدي (عليه السلام) للناس قمراً أضاء بنوره ظلمات القلوب وأنار بعلمه عقول الجاهلين لقد كان هذا الممهد هو السيد أبو عبد الله الحسين القحطاني والذي سبقه ممهدين قاموا بهدم بعض الدعامات الكاذبة التي ظن الناس أنها من دعائم الدين وكان تمهيدهم على قدر محدود، من خلال إيضاح الاعوجاج الحاصل في أفعال الناس والتي يحسبونها من الحق.

لقد كان للسيد القحطاني دور ونشاط مغاير عن غيره من الممهدين من ناحية الكم والنوع لِما جاء به من الهداية و تصحيح لما يحمل الناس من نظريات خاطئة حول القرآن والسنة وقضية المهدي (عليه السلام) ، فكان هذا الإنسان الذي يحمل في جنباته كل ما يدل على الإيمان والتقوى والإخلاص واليقين والزهد والشجاعة والأصل الطاهر الذي قَلَ أو أنعدم في زماننا نظيره، فاختاره الإمام المهدي (عليه السلام) ليضطلع بالمهمة الصعبة الشاقة التي حمّلها إياه لِما رأى فيه من استحقاق هذه المرتبة أولاً وما يتحلى به من الجدارة والصدق والنصيحة التي تجعله يقوم بدوره بأتم وجه وأحسن صورة، فكان الأرض الخصبة التي أختارها الإمام ليضع فيها بذور هدايته لتنبت فيها أشجار التوحيد والنور بعد أن استبد الجهل والظلام .

فإن السيد القحطاني من شدة حبه للإمام (عليه السلام) كان كثير التفكر في أمره والخوف من يومه فكان يتورع عن الأكل من بيت المال المستحصل من خمس الإمام بعد أن دخل في أوساط الحوزة العلمية في النجف الأشرف فكان يسكن في أفقر الأحياء التي لا يمتلك أهلها شيء من حطام الدنيا غير بعض الأحجار التي يتوارون خلفها من زمهرير الشتاء وحرارة الصيف وكان يُلبس أطفاله الثياب الرخيصة ويأكل أبسط الطعام طمعاً في عفو الإمام عن الفقراء والمستضعفين وليكون ذلك باباً لنيل رضاه وقبوله وكذلك كان من أكرم الناس في زمانه فقد كان يعطي كل ما يملك للفقراء والمحتاجين وغيرها من الصفات الحميدة.

ولد السيد القحطاني في مدينة الكاظمية ببغداد عام 1976م وعاش مع أسرته في دارهم الواقعة في مدينة العمارة جنوب العراق، وهو سيد علوي من ذرية الإمام الحسن السبط (عليه السلام) ومعنى انه قحطاني ليس المقصود منه قحطان أخو عدنان ولدي يعرب، لأن المعلوم أن السادة ينتسبون إلى عدنان دون قحطان، إلا إن قحطان هذا الذي يرجع إليه السيد أبو عبد الله هو قحطان أبو اليمن وإليه يرجع أهل اليمن (إلى قحطان) .

نشأ وترعرع بين أقرانه وكان يمتاز بالذكاء والتدين منذ صغره وكان يحب الإمام المهدي (عليه السلام) حباً عجيباً جعله يديم الفكر فيه والبحث عنه وعن الدين الحق فقام على الرغم من صغر سنه بالبحث عن العلم الصحيح حتى خارج بلده ففي سن السادسة عشرة من عمره غادر بلده إلى أحد البلدان الإسلامية لدراسة العلم وبعد أن أتم دراسته هناك عاد إلى بلده لأنه لم يجد ضالته فقام باستئناف الدراسة في الحوزة العلمية في النجف الأشرف وبعد الجد والاجتهاد أصبح من أبرز طلابها وكان لديه حلقة للدرس وألّف على صغر سنه كتاباً فريد من نوعه ربط فيه بيّن المنطق والقرآن، وقام في داخل الحوزة بمحاولة التغيير وشن ثورة على الأفكار والتصرفات الخاطئة، فأراد من خلال ذلك رفع الظلم عن الناس وبين نقاط الخلل هناك من التفرقة في العطاء (العدالة المالية) والاستحواذ على الحقوق وإماتة الكثير من السنن وظهور البدع وهجر القرآن بتعطيله والاستعاضة عنه بالأصول العملية والاستنتاجات العقلية التي لم ينزل الله بها من سلطان وكذلك افتقار الحوزة للدروس الأخلاقية مما يجعل طلاب العلم يتهافتون على الدنيا وليس على الدين وخدمة المجتمع .

فكان يدخل مجالس العلماء ويلقي عليهم الحجة ويعلن براءته من تلك الأفعال، فنهض بالأمر(التمهيد) ولم يكن يخشى في الله لومة لائم ولا عذل عاذل فبين بطلان الكثير من الأحكام وأخبر الناس عن قرب القيام، فبدأ الأنصار يجتمعون إليه والأعداء يؤلبون عليه فقاموا بمحاولة اغتياله ولكنهم فشلوا في مبتغاهم بعد أن خيب الله تلك الأيادي الآثمة التي ما فتأت موغلة في رقاب الصالحين والأولياء فكان في كل مرة ينجوا من أولئك الأشرار من منتحلي الإيمان .

وبعد كثرة المخاطر في بلده قام بالذهاب إلى أحد البلدان الإسلامية لإقامة الحجة على رجال الدين هناك فقام بالدخول عليهم واحد تلو الأخر فلم يكن منهم إلا الصد والتكذيب وجَرَوا على سنن الماضين وما فعلوا بالصالحين، فلاقى من كيدهم الأذى والعذاب في بطون السجون وبعد المحاججات والدعوة إلى المباهلة والأقسام لم يروا بداً من إقصاءه إلى خارج بلادهم ليعود إلى أرضه وقد سقط حكم صدام اللعين المتمثل بدولة بني مروان في أخر الزمان، فاستأنف التمهيد رغم قلة الناصر وشماتة القريب.

وبعد خطوات كثيرة قام فيها بتحدي الجميع واثبت صدق دعواه بنشر الأدلة والبراهين وتحدى أهل العلم بعد أن رفضوا التصديق للقدوم للمباهلة وإهلاك الكاذب ولكنهم استمروا في غيهم بالتكذيب ونصبوا له ولأنصار الإمام المكائد التي اضطرتهم إلى الهجرة من بلدهم إلى أحد البلدان ليقيموا هناك الحجة على الناس، فبدأ العمل الدءوب بتوزيع المناشير والإعلان عن قرب الظهور وبعد مراحل من التبليغ زُج السيد القحطاني ومن معه في السجون ولاقى من التعذيب ما لاقى، وكأن هذه الأمة مصرة على رفض الإمام فقالوا له بالحرف الواحد إن الإمام إذا جاء وخالف القانون فإننا سوف نزج به في السجون، وبعد شهور من السجن خرج السيد القحطاني ومن معه وعادوا إلى وطنهم ، وبعد كل اختبار هناك قوم يرتدون وآخرون يؤمنون فطريق الحق مر والقابض عليه كالقابض على الجمر.

فرجع إلى بلاده ليبدأ من جديد السير في طريق التمهيد للإمام (عليه السلام) فقام بنشر صحيفة أسماها صحيفة القائم والتي دخل من خلالها إلى المجتمع فقام ببناء ألفكر الصحيح في زرع بذور الهداية والتوحيد ليستعد الناس لاستقبال نور المهدي الموعود (عليه السلام) بعد أن رسم الباحثين والعلماء الصور الخرافية والأفكار الباطلة التي لا تمت إلى المهدي ويومه بصلة، فقام السيد القحطاني من خلال الصحيفة بمناقشة كل من كتب حول قضية المهدي (عليه السلام) وبين أخطائهم وانحراف أفكارهم وتفنيد ما جاء في كتبهم التي كتبت ترجماناً للأهواء النفسية والأفكار التعصبية .

وكذلك قام بدحض كل إدعاءات المدعين زوراً بأنهم جهات للإمام المهدي (عليه السلام) فقام بطرح الأدلة الصادقة على بطلانهم وبطلان السير في ركابهم وهذه الحركات ظهرت على وجه الخصوص في العراق ومنهم الحركة المولوية والسلوكية والباطنية والنبأية والمدعي زوراً (اليماني الدجال أحمد البصري) والمدعي زوراً فاضل المرسومي .

فبسبب هؤلاء ونسب أنفسهم إلى الإمام المهدي (عليه السلام) زوراً وبهتاناً أصبح الناس ينفرون من قضية الإمام وذكره وكأنك إذا ذكرت الإمام اقترن ذلك الذكر بهؤلاء المدعين وهذا هو الهدف الرئيسي لأعداء الدين الذين لفقوا أكثر هذه الحركات من أجل إبعاد الناس عن إمامهم المظلوم ليجعلوه وحيداً دون ناصر ولا معين فإذا خرج قضوا عليه، وهذا لن يتحقق لأنه وعد من الله ووعده سبحانه غير مكذوب .

وكذلك طرح في بطون تلك الصحيفة تصحيح للمنهج التفسيري للقرآن والسيرة المباركة للمهدي (عليه السلام) وأحداث الظهور وشخصياته، وكل ما من شأنه إيصال الناس إلى الفهم الهادف والصحيح لتلك القضية الإلهية ليكونوا على درجة من القبول .

فبقي كل من في ساحة العلم حيارى عن الجواب بعد أن تحداهم بنقض ما جاءهم به من العلم فلم يستطع أحد من اؤلئك العلماء رد جواباً أو إبطال علماً لأن ذلك العلم نابع من فيوضات الإمام المهدي (عليه السلام).

فبدأت المؤامرات تحاك ضده كما فعل بأسلافه من الصالحين وبعد أن وصلت أعداد صحيفة إلى العدد 52 بدأ السيد القحطاني بالتحدث إلينا بلهجة جديدة يلمح من خلالها بقرب الغيبة التي أخبرنا عنها والتي تقع عليه يوم ما وقد توسم السيد بقرب الغيبة عندما فقد ولده الصغير في أحد الأحياء فقال السيد لنا إن معنى ذلك في علم التوسم إنني سوف أغيب عنكم، وفي اليوم التالي لصدور العدد الأخير من الصحيفة وفي أحد شوارع بغداد وإذا بالأيادي الأثيمة التي صنعها إبليس اللعين وأعوانه من شياطين الأنس العصاة المردة تمتد لتغتال هذا الجبل الأشم بإطلاق النار عليه وسقوطه شهيداً في سبيل تمهيد الطريق لخليفة الله في أرضة الإمام المهدي (عليه السلام)، لقد غادرنا هذا النموذج الفريد بعمر بلغ الثلاثين وعلى الرغم من صغر سنه إلا إنه طرح كل ما من شأنه تقويم الاعوجاج وإيضاح سبل السداد .

وتلك الأيام نداولها بين الناس ليعلموا أن لله آيات قد ظهرت وعلامات قد تحققت ونحن عنها غافلون وعن نورها محجبون ولعمري إن القدوم لآتي وان العذاب لمقبل كما إن الجحيم قد سعرت والجنة قد أزلفت فهل تعلم نفوسنا ما قدمت وأخرت أم إنها فرحة بما أجرمت ألم يحن الوقت أن نقول للباطل مُت ولعلم الشياطين أصمت، ألم يحن الوقت الذي نغير فيه نفوسنا حتى تستقبل أمامنا ولكي لا نقول له أرجع يابن فاطمة، ألم يحن الوقت لنلبي صرخة الحسين التي لا زال صداها بيننا حتى اليوم، ألم يحن الوقت لإزالة درن الشيطان من قلوبنا وعقولنا بعد أن باتت علامات الجبار واضحة حتى للأعمى الضرير وآيات السماء شاخصة للبعيد والقريب لقد باتت عروش الظالمين مهددة بالزوال بعد أن أزيل الستار وبدأ عرض عصر الظهور الشريف، فأين المفر للظالمين العصاة الذين أطمعوا الناس بزخارف الأوهام وقيدوهم بحبائل الشيطان وأجمعوا على وأد الوريث ونهب الميراث هيهات ثم هيهات فإن لهم يوم كيوم بدر وصرخة كصرخة الحبلى فالويل كل الويل لرؤساء تخموا ورعيتهم جياع {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }


أثره العلمي

رغم صغر سنه إلا أن من عرفه وجده بحراً من العلم وله رؤية خاصة ونظريات علمية في الكثير من العلوم كعلوم القرآن والحديث والتأويل الطب والفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية وكان أكثر اهتمامه في قضية الإمام المهدي (عليه السلام).

وله باع في تأويل الرؤيا والأحاديث والقرآن وعلم التوسم وله الكثير من المخطوطات التي لم يتمكن من نشرها في حينها حتى تلف البعض منها وضاع فقام بتلقينها لتلاميذه ودعاهم إلى الكتابة والتأليف فشمروا عن سواعدهم من أجل خدمة قضية الإمام المهدي وتفانوا في إيصال هذا العلم إلى جمهور المسلمين فجزاهم الله خير الجزاء، فصدر في حينها من تحت أيدي هؤلاء التلامذة المؤلفات الغزيرة التي تنم عن الفيض الإلهي الذي حضى به السيد وقد كتبت هذه الكتب على كثرتها والتي بلغت ما يقارب الأربعون كتابا والتي كتبت في وقت قياسي حيث لم تستغرق كتابتها سوى شهرين وذلك قبل أربعة سنوات من تاريخ طبع هذه الموسوعتين التين كانتا عبارة عن زبدة بعض الكتب التي أرتأينا أن تكون بهذا المحتوى والتناسق من أجل سهولة تداولها وجعل خصوصية لموضوعاتها فكانت موسوعة القائم مختصة بتعريف الناس بإمامهم وتحيطهم بحركته المباركة وشخصيات عصر الظهور والكثير من الأبحاث الخاصة بهذا المجال وقد سبقتها الموسوعة القرآنية للسيد القحطاني والتي شملت الأبحاث التي تُعنى بعلوم القرآن والتأويل والنظريات القرآنية وأسرار القرآن وغيرها من المواضيع الخاصة بهذا المجال وستأتي للقارئ الكريم كتب أخرى فيما لم يدخل ضمن الموسوعتين من أبحاث ومؤلفات والتي يجد القارئ في طياتها ما يسد رمقه من العلوم التي تقرب إليه معرفته بإمام زمانه أرواحنا لتراب مقدمه الفداء

1,745 views0 comments